مقالات

دليل فقيه الحنيفية السمحة

يُؤْثَرُ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، قولُه في خطبته يوم بُويع بالخلافة: اليمينُ والشمالُ مَضَلَّة، والوُسطى الجادَّة.

وهذا القول المأثور عن أحد الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمَرَنا سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نعضّ على سنته وسنتهم بالنواجذ، يرسم للمسلمين طريق الصواب ومحجَّة الهدى، ويبين أنْ لا خير لهم في يمين أو شمال، لأن طريقهم الذي شقّهُ لهم ربهم – عزّ وجل -وألْحَبَهُ [أي أوضحه ونَهَجه] هــو الطريــــق الأوسـط، أمـــا تلك الطـرق الأخـرى التي على كلٍ منهـا شيطـان يدعو إليه، فكلها من طُرُق الضلالة وسُبُل الزيغ عن الصراط المستقيم، الذي يدعو المسلم ربه سبع عشرة مرة في اليوم على الأقل أن يهديه إليه· والتزامُ هذه الجادة الوسطى والتحنُّف [أي التباعد] عن اليمين والشمال، هو ما يطلق عليه “الحنيفية” في المصطلح الإسلامي وفي لسان العرب؛ قال أبو زيد: “الحنيف: المستقيم؛ وأنشد”:

تَعَلَّمْ أن سيهديكم إلينا طريقٌ لا يجور بكم حنيفُ

وإنما قيل للمائل الرِّجْل: “أحنف” تفاؤلاً بالاستقامة، كما قيل للملدوغ “سليم”·

*

وبعد، فإن من أكبر نِعَم اللّه على عباده أنْ بعث إليهم الدين بواسطة الرسل والأنبياء، ليكونوا “شهداء” على الناس· وتعبير “الشهداء” هذا – مثلَ كثير من التعابير القرآنية – أكبرُ بكثير من أن يُتَرْجم عن معناه بكلامٍ من كلام البشر، ولكن المرء يحاول أن يتلمَّس بعض ما في هذا التعبير من معانٍ جليلة· ولعلّ من خير ما يعبّر – في نظري – عن بعض ما في لفظة: الشهيد” أو “الشاهد” من معانٍ، ما يطلقون عليه في علوم العصر “معيار ضمان الجودة”·

فالجودة – كما هو معلوم – أمرٌ مطلوب في كل عمل من أعمال العصر، علمياً كان ذلك العمل أم صناعياً أم تجارياً أم غير ذلك· ومِن قَبْلُ قال سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن شداد بن أوس: “إن اللّه كَتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيء”· وحتى يعرف الناس الجودة المطلوبة فيحققوها، كان لابُدّ لهم من مُثُل يضعونها نصبَ أعينهم، أو معايير حيّة يعملون على الاقتداء بها والتأسي· ولقد كان من رحمة اللّه بعباده أن أرسل إليهم أنبياءه ورُسُله، يمثلون لأقوامهم تمثيلاً عملياً هذه الأسوة أو القدوة التي ينبغي أن يعمل الناس على التشبه بها، وأن يحاولوا قدْرَ مستطاعهم أن يتحلّوا بما تحلّت به من خُلُق، ويتّصفوا بما اتّصفت به من دين: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً·

وقد عبّر اللّه سبحانه عن ذلك بألفاظ متعدّدة، توكيداً لأهمية هذا المعيار الحيّ:

  1. منها الأسوة الذي يُتأسّى به: لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة؛
  2. ومنها الأمّة الذي يُؤتَمُّ به: إن إبراهيم كان أمة؛
  3. ومنها القدوة الذي يقتدى به: أولئك الذين هدى اللّه، فَبِهُداهم اقتَدِه·

 

ثم لما أكمل ربُّنا – عز وجل – الدين وخَتَمَ الرسالات، أخرج للناس أمة بأكملها تقتدي برسولٍ “شاهد”، فتتحول بذلك إلى قدوة للناس أجمعين· ومن أجل أن تتحقق لهذه الأمة صفة الشهادة، جعلها اللّه سبحانه أمة وسطاً وقال لها: وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً· ذلك لأن الأمة التي يُطالَبُ الناس بالاقتداء بها، ينبغي أن تكون أمةً معتدلة، تسلك في حياتها سلوكاً بشرياً سوياً يكون في مُكنة البشر أن يسلكوه، ميسوراً لا يستَوْعِرُ على الناس فيطلب منهم الـمُحال أو ينفّرهم بالتعسير·

فلا عجب بعد ذلك أن يلخّص اللّه سبحانه شريعة هذه الأمة بكلمة واحدة ألا وهي اليُسرى: ونيسّرك لليُسرى ويُنعم على المتقين من عباده بتيسيرهم لها: فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى، فسنيسّره لليسرى· ومن أجل ذلك ما خُيِّر شــاهِدُ هذه الأمـة صلوات اللّه وسلامــه عليه بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يـكن إثماً، كما في الحديث المتّفق عليـه عــن عائشــة أم المؤمنين؛ ومن أجل ذلك علّم الشهداءَ علـى النـاس مـن بعــده فقال لهم فــي الحديث الـذي رواه البخــاري في الأدب المفرد عن محجن الأسلمي: إن خير دينكم أيسـره وقال لهم في الحديث المتفق عليــه عـن أنـس: يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا· وقال في معرض الزجر والذم في الحديث المتفق عليه عن أبي مسعود الأنصاري: إن منكم منفّرين·

وواضحٌ أن المرادَ باليُسْر ليس انتفاء المشقة – كما نبّه على ذلك الإمام الجليل محمد بن ابراهيم الوزير في العواصم والقواصم – لأن المشقة أمرٌ نسبي يختلف من امرىءٍ لآخر، وهي ملازمة لأكثر الأعمال الدنيوية والأخروية، وقد يَشُقُّ على الإنسان قيامه من مجلسه إلى بيته، وخروجه من بيته لقضاء حاجته··· وقد قال الله تعالى عن الصلاة: وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين، فنَصَّ سبحانه على أن الشيء المعيَّن يكون عسيراً على هذا، سهلاً على هذا، فلو كان عسيراً  في نفسه لكان عسيراً عليهما، ولكنه يسيرٌ في نفسه، وإنما يتعسّر بحَرَج الصدور، والكسل، وقلة الدواعي، ويتسهّل بنقيض ذلك·

فاليُسر الذي وصف الله به دينه، هو ما يعتبر يُسراً بالنسبة إلى الإنسان الوسط، والعُسْر الذي نفاه الله عن شريعته، هو ما يَعْسُر على الإنسان الوسط· ومن هنا يتبيّن أن هذه الوسطية هي المحور الذي تدور حوله حياة المسلم الحقّ في شتّى مناحيها·

ثم إن هذا التوسط يعني الاعتدال في كل شيء· وقد فُسِّر أوسطُهم في قوله سبحانه: قال أوسطهم ألم أقُلْ لكم لولا تسبِّحون بأنه أعدَلُهم· وهذا الاعتدال أو قُل: التوازن، أمرٌ وضعه اللّه في طبيعة الكون بكل ما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد وبيئة، وأعلمنا بذلك جل وعلا بقوله: “ووضع الميزان؛ أنْ لا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط، ولا تُخسروا الميزان”· فبيّن سبحانه أنه قد جعل هذا التوازن سِمَةً من سِمَاتِ الكون بمختلف منظوماته: وَضَعَ الميزان، ثم طلب من عباده أن يلتزموا مختارين طائعين بمثل هذا التوازن في حياتهم: أقيموا الوزن بالقسط، وأن يحاذروا من أي طغيانٍ فيه: لا تطغَوا، أو إخسار: ولا تُخسروا، لأنهم سيدفعون ثمن هذا أو ذاك غالياً: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم !

*

تواردت هذه المعاني على خاطري يوم أحسن الظن بي إخوةٌ أكارم فاقترحوا عليّ أن أكتب كُلَيْمات أهديها إلى شيخنا الحبيب يوسف القرضاوي في عامه السبعين·

وقد تردّدتُ كثيراً! فأنّى لامرىءٍ مُزجى البضاعة مثلي أن يكتب عن هذا العَلَم العظيم من أعلام العصر؟

ثم رأيت أن للأستاذ الجليل حقاً عَلَيّ·

ألم يكن هذا الرجل – مع شيخه وشيخنا الغزالي تغمّده اللّه برحمته ورضوانه – في طليعة من أثَّل لهذه المعاني ورسّخها في أفهام الناس، ثم أصبح الآن وحدَه فارسَها المجلّي وداعيتَها الفذّ؟

إن ريادته في جلاء هذه المفاهيم وتبيينها للناس، لَتَضَعُهُ – ولا نزكي على الله أحداً – في مصافّ المجدّدين الذين بشّرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله يبعثهم لهذه الأمة قرناً بعد قرن، وتجعله أحد العُدُول الذين قال عنهم النبي صلوات الله وسلامه عليه: يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وهو حديث مشهور صحّحه ابن عبد البّر والإمام أحمد·

وأشهد لقد تصدّى الشيخ حفظه الله لهؤلاء جميعاً وقعد لهم كلّ مرصد·

وكان لكتابه العظيم الذي عرفناه أول ما عرفناه به، ألا وهو الحلال والحرام في الإسلام ثم لفتاواه المعاصرة التي نترقب صدور المزيد منها إن شاء الله، أطيبُ الأثر في ترسيخ مفهوم اليُسْر الذي هو وسط بين التشدّد والتحلّل، وفي جلاء الصورة الحقيقية للحنيفية السمحة التي جاء بها الرسول الشاهد المبشّر·· هذه الحنيفية التي تلائم فطرة الإنسان، بل هي بنصّ القرآن المُعْجِز نفسُ الفطرة التي فطر الله الناس عليها: فأقم وجهك للدين حنيفاً: فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخَلْق الله، ذلك الدين القيّم·· وهذا شيء فوق العقل البشري أن يتصوّره: هذا التداخل العجيب بين الدين وبين فطرة الناس وبين خَلْق الله كله، وهو يعيدنا إلى مفهوم التوازن الذي بثّه الله سبحانه في الكون وأمر الإنسان بالتزامه، فيعود بنا من حيث بدأنا إلى الوسطية والاعتدال·

وإنك لترى مثل ذلك في خاتمة سورة الحج التي تتداخل معانيها في نسيج عجيب:

  • هو اجتباكم؛
  • وما جعل عليكم في الدين من حرج: ملّةَ أبيكم إبراهيم؛
  • هو سمّاكم المسلمين مِنْ قَبْلُ وفي هذا؛
  • ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس !·

 

فاللّه سبحانه هو الذي اختار هذه الأمة، واصطفاها على الناس برسالته، وجعلها أمة وسطاً، وكان من أعظم آيات هذه الوسطية أن لم يجعل عليها في الدين من حرج، فوسّع لها دينها تَوْسِعَةَ ملَّةِ أبيها إبراهيم الحنيف المسلم، صاحب الملّة الحنيفية السمحاء·

واللّه سبحانه هو الذي أطلق على هذه الأمة ذات الملَّة السمحاء اسم المسلمين: مِنْ قَبْلُ في كُتُبه المتقدمة على القرآن، وفي هذا القرآن الكريم·· كل ذلك من أجل أن يكون الرسول شهيداً عليهم ويكونوا شهداء على الناس !

والانحراف عن هذه الحنيفية الوسطية السمحاء، إفراطاً أو تفريطاً، غُلُوّاً أو جفاءً، رجسٌ من عمل الشيطان، كما بيّن ذلك شاهد هذه الأمة – بأبي هو وأمي – في الحديث الذي رواه مسلم عــن عيــاض بن حمــار المجاشعــي: إنــي خلقــت عبــادي حُنَفَاء كلَّهم، وإنّهــم أتَتْهُمُ الشياطيــــن فاجتالتهم [أي حوّلتهم] عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمَرَتْهم أن يشركوا بي مــا لـم أنزّل به سلطاناً·

فانظر رحمك اللّه كيف مثّل سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للابتعاد عن الحنيفية والاجتيال عن الدين بتحريم الحلال·· كما يفعل المتنطّعون في عصرنا·· بل قَرَن ذلك بالشرك والعياذ باللّه·· وتلك مزلّة كبرى ومدرجة من مدارج الهلاك كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن ابن مسعود: “هلك المتنطّعون”· وقد قال ربُّنا عزَّ وجــل: “يريــد اللــه بكــم اليُسْر ولا يريد بكم العُسْر”، فمن أظلم ممّن أراد بهذه الأمة العسر مخالفاً مراد الله الذي له الخَلْق والأمر؟!

وقد كان من فضل الله عز وجل أن كتب لكتاب “الحلال والحرام في الإسلام” من الذيوع والانتشار ما شاء، فطبعت منه الآلاف المؤلفة من النسخ، وترجم إلى العديد من لغات البشر، وهاجمه المتنطّعون والمتحلّلون على حد سواء، وغِيظَ به الكفار، والله غالبٌ على أمره·

*

ولقد لخّص الشيخ حفظــه اللــه فـكر التيار الوسطي الذي يؤمن به ويدعو إليه، في بعض ما كتب، وبيّن أنه يركّز على المبــادىء التاليـة:

  1. فقهه للدين فقهـاً يتميز بالشمـول والاتـزان والعمـق؛
  2. فقهـه لواقـع الحياة دون تهويـن ولا تهويل: واقع المسملين وواقع أعدائهم؛
  3. فقه سنن الله وقوانينه التي لا تتبدل وخصوصاً سنن الاجتماع البشري؛
  4. فقه مقاصد الشريعة وعدم الجمود على ظواهرها؛
  5. فقه الأولويات وهو مرتبط بفقه الموازنات؛
  6. فقه الاختلاف وأدبه مع الفصائل الإسلامية الأخرى (التعاون في المتّفق عليه والتسامح في المختلف فيه)؛
  7. الجمع بين السلفية والتجديد (أو بين الأصالة والمعاصرة)؛
  8. الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيّرات العصر؛
  9. الإيمان بأن التغيير الفكري والنفسي والخلفي أساس كل تغيير حضاري؛
  10. تقديم الإسلام مشروعاً حضارياً متكاملاً، لبعث الأمة، وإنقاذ البشرية من الفلسفات المادية المعاصرة؛
  11. اتخاذ منهج التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة؛
  12. إبراز القِيَم الاجتماعية والسياسية في الإسلام، مثل: الحرية والكرامة والشورى والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان؛
  13. الحوار بالحسنى مع الآخر، أي مع المخالفين من غير المسملين، أو من المسلمين المغزُوّين عقلياً، والمهزومين روحياً؛
  14. اتخاذ الجهاد سبيلاً للدفاع عن حرمات المسلمين وديار الإسلام·

*

ولقد اهتم شيخنا حفظه الله كثيراً بفقه الأولويات، وساءه كثيراً أن لا يقف الإخلال بالأولويات اليوم عند جماهير المسلمين أو المنحرفين منهم، بل أن يقع هذا الإخلال من المنتسبين إلى التدين ذاته لفقدان الفقه الرشيد والعلم الصحيح·· وكثيراً ما رأينا مثل هؤلاء – مع إخلاصهم – يشتغلون بمرجوح العمل، ويدعون راجحه، وينهمكون في المفضول، ويُغفلون الفاضل···

وأفضّ مضجعه أولئك الذين يؤمنون ببناء الأحجار ولا يؤمنون ببناء الرجال!

وأقلقه أن يرى نفراً يقيمون معارك يومية يحمى وطيسها من أجل مسائل جزئية أو خلافية، مهملين معركة الإسلام الكبرى مع أعدائه الحاقدين عليه، والكارهين له، والطامعين فيه، والخائفين منه، والمتربصين به··

  • حتى الأقليات والجاليات التي تعيش هناك في ديار الغرب: في أمريكا وكندا وأوروبا، وجدتُ من جعلوا أكبر همهم: الساعة أين تُلبَس، أفي اليد اليمنى أم اليسرى؟ ولبس الثوب الأبيض بدل القميص والبنطلون: واجبٌ أن سنة؟ ودخول المرأة في المسجد: حلال أم حرام؟ والأكل على المنضدة، والجلوس على الكرسي للطعام، واستخدام الملعقة والشوكة هل يدخل في التشبه بالكفار أم لا؟ وغيرها·· وغيرها من المسائل التي تأكل الأوقات، وتمزق الجماعات، وتخلق الحزازات، وتضيع الجهود والجهاد، لأنها جهود في غير هدف، وجهاد مع غير عدو·

*

وبعد، فإن المرء ليَحَار عمّ يتحدث في شخصية هذا الرجل العظيم!

أيتحدث عن “فقه الزكاة”·· ذلك الكتاب الموسوعي الذي لم يكتب مثله، أم عن مقدمته “للمنتقى” الذي انتقاه من الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وهي مقدمة تستحق أن تكتب بماء الذهب، أم عن كتابه المتّزن الرصين كيف نتعامل مع السنة النبوية، أم عن كتابه الصغير الحجم العظيم النفع عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية وهو كتاب ينبغي لكل أحد أن يقرأه أم عن مواقفه المبدئية المشهورة في الصدع بالحق دون أن يخشى في الله لومة لائم، ولاسيما في الموقف من أعداء هذه الأمة؟

يطول الأمر بي لو أخذت أعدّد هذه الكتب النفائس، ولكنني أرى حقاً عليّ واجباً أن أتحدث عن جانب من جوانب شخصيته وفتاواه لعلّي من أعرف الناس به· ذلكم هو رأيه الواضح الصريح، الصحيح دائماً إن شاء الله، في مجموعة من القضايا التي تجدّ للناس، وتندرج تحت عنوان كبير ندعوه في منظمة الصحة العالمية أخلاقيات الطب والصحة ونريد به الحكم الشرعي في هذه القضايا التي واكبت القفزات الجديدة التي أتى بها التقدم التكنولوجي المذهل في ركابه، وكان طبيعياً أن يستفيد منها الطب والأطباء والناس أجمعون·· أذكر منها زرع الأعضاء؛ وأذكر البحوث التي تُجرى على الإنسان؛ وأذكر الهندسة الوراثية؛ وأذكر معالجة العقم بهذه الوسائل المبتدعة؛ وأذكر أجهزة الإنعاش التي تحافظ على المرء – في حياة كحياة النبات – سنين عدداً··· وأنا لم أذكر إلا القليل !

وليس يخفى ما تجلبه هذه الأمور في ركابها من قضايا، بل معضلات أخلاقية في بعض الأحيان:

  1. هل يحق لنا أن نأخذ عضواً من أعضاء الحي؟ أن نشتريه؟ أن نجبره على التخلّي عن عضو منه؟ أن نأخذ ما نشاء من أعضاء الميت؟·· ثم متى نعتبر الإنسان ميتاً؟ هل عندما تتوقف أنفاسه أم عندما يَنْشَلُّ جِذع الدماغ فيه؟
  2. ما موقفنا من الإخصاب الاصطناعي؟ من أطفال الأنابيب؟ من استئجار الرحم الظئر؟ من اختلاط الأنساب؟··
  3. هل للطبيب الذي أقسم على المحافظة على الحياة أن يساهم في إنهاء الحياة؟ هل له أن يساعد مريضه على الانتحار تخلّصاً من مرض لا يرجى منه شفاء؟ هل نبيح هذا النوع من القتل بحجة أننا نسميّه قتل المرحمة؟ هل نوقف أجهزة الإنعاش إذا كانت تطيل أمد حياة لا جدوى منها؟ وهل يندرج ذلك في مُسمَّى قتل المرحمة أم أنه ليس قتلاً ولا حَرَجَ فيه؟
  4. ما هو موقفنا من مريض الإيدز؟ هل نتخلى عنه·· نخذله ونُسلِمه؟ أم نَكُفُّ عليه ضَيْعَتَه ونحوطه من ورائه ونفرِّج عنه كُرُباته كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل نقترب منه؟ وإلى أيّ مدى نقترب؟ هل نخبر زوجه أم لا؟ هل نوصيه بمواصلة العلاقة الزوجية العادية أم لا؟

وغير ذلك كثير

 

هذه القضايا المستجدة تستأهل أن يستجدّ لها ما يناسبها من الأقضية، وإلا كان الناس في حيرة بالغة وفي ضلال عظيم

وقد كان من فضل الله على الناس أن قامت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بفرض الكفاية في هذا المجال، فعقدت لهذه الغاية مؤتمراتٍ عدداً، شَرُفَ المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالمشاركة فيها، وكان في طليعة فرسانها المجلّين شيخنا الغزالي رحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، وشيخنا القرضاوي أطال الله بقاءه وأمتع به وأدام النفع به· والذي يطالع محاضر ما دار في هذه المؤتمرات يعلم أيّ فقيه هذا الرجل، وقد نشر في فتاواه المعاصرة شطراً صالحاً من آرائه في هذا المجال الرحيب·

*

لقد طال بي القول من حيث كنت أريد أن أختصر، ولكنني لم أفِ شيخنا الحبيب بعض حقّه، فمعذرة إلى القارىء الذي كان يتوقع مني فوق ذلك، فقد ذكرت في مقدمة هذه الكلمات أني امروٌ مُزجَى البضاعــة، وما أنــا إلا كمــا قــال أبو النصر العتبي:

لكن طاقةَ مثلي غيرُ خافيةٍ والنملُ يُعذَر في القدر الذي حَمَلا

وحسبي هذا القدر في حديثي عن هذا الرجل العالم العامل، المجاهد المرابط، الإمام المجتهد، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائرٌ بين الأجر والأجرَيْن إن شاء الله·

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى