مقالات

الشريعة التي جاء بها القرآن الكريم

الشريعة التي جاء بها القرآن والسنة ثلاثة أنواع:

عقائد وأخلاق وتشريعات عملية، وهذا النوع الأخير [أي التشريعات العملية] هو الذي سُمِّيَ فيما بعد بالفقه الإسلامي، وهو عباداتٌ ومعاملاتٌ مالية وغير مالية أو روابط اجتماعية ودعاوى وقضاء وغير ذلك ويرادفها [أي يرادف الشريعة] في ذلك كلمة الدين بالمعنى الأعم.

والنصوص التشريعية التي جاءت في القرآن والسنة محدودة، ففي القرآن اختلف العلماء في عدد آيات الأحكام فيه، فَمِنْ قائلٍ إنها مئتا آية، ومِنْ قائلٍ أكثر، وأقصى عددٍ هو خمسمئة آية.

وأحاديثُ التشريع بلغت ألفاً وخمسمئة حديث. كما يقول ابن القيم.

وهذه النصوص المحدودة جاءت مفصّلة لبعض الأحكام وأخرى مجملة، فالنوع الأول جاء في الأمور التي لا تتغير مصالحها بتغير الزمن، لأن تلك المصالح دائمة، والنوع الثاني جاء في الأمور التي تتغير مصالحها بتغير الزمن، ولذا جاءت على هيئة قواعد وأصول عامة.

والمجتهد في شريعة الله لا يصدر أحكاماً بمجرد عقله، بل يبحث عن حكم الله، لأنه لا حكم لأحد سواه وحكم الله [كما يعرِّفه الأصوليون]: هو خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخيـيراً أو وضعاً، يعنون بذلك: كلام الله القديم القائم بذاته المرتبط بأفعال المكلفين على وجـه خاص، وهو إمـا:

  • طلـب الفعـل.
  • طلب التـرك.
  • التخيـير فيه.
  • الوَضْع.

بِجَعْلِ شيءٍ (4-أ) سبباً أو (4-ب) علة أو (4-ج) شرطاً أو (4-5) مانعاً لحكم شرعي تكليفي.

 

وهذا الكلام الصالح للتوجيه غَيْبٌ عنَّا، لا نَقِفُ عليه إلا بدليل يرشدنا إليه، وبغير هذا الدليل لا يستطيع أحد معرفته. ومن هنا أقام الشارع الأدلَّة لتُعْرَفَ بها الأحكـام. وهـذه الأدلـة ليسـت كلهـا فـي درجـة واحـدة بل مرتّبـة، فأولـهـا:

  1. القرآن.
  2. السنـة.
  3. الإجـماع.
  4. القيـاس.
  5. العُرْف.
  6. المصلحة المرسلة.

وتلك الأدلة ثبتت بالقرآن والسنة اللذين قال عنهما رسول الله: ((  تركت فيكم أمران لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتابَ الله وسنَّتي  )).

يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) [النساء: 59].

فهذه الآية بيَّنت من الأدلة أربعة: كتاب الله والرسول في حياته وسنَّته بعد وفاته، والإجماع: إجماعَ أولي الأمر التشريعيـين، وهؤلاء اتفاقهم ليس دليلاً مستقلاً، ولكنه مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولذلك لم يذكر لفظ أطيعوا معهم، لأن الطاعة لهم إنما تكون إذا لم يخالف رأيهم القرآن والسنّة، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والرد عند التنازُع معناه عرض الآراء المختلَف فيها على القرآن والسنة، ليأخذوا بأشبه الآراء بهما، وهذا هو معنى القياس. يُضاف إليه ما رُوِيَ عن رسول الله r من أقيسة في بعض الوقائع، وعُدُله عن الجواب المباشر، وقوله للسائل: أرأيت لو كان كذا ماذا يكون الحكم، يقول السائل كذا، فيقول: وكذلك هذا فعُدُولُ الرسول عن الجواب المباشر إلى التنظير ليس عَبَثاً وإنما ليرشدهم إلى قاعدة عامة هي أن النظير يأخذ حكم النظير.

 

وأما دليل حُجيَّة العرف فيرجع في أصله إلى فعل الرسول r، فقد أقرَّ من أعراف الجاهلية الصالح من كل وجه وألغى الفاسد من كل وجه، وعدَّل ما ينبغي تعديله. والأمثلة كثيرة، فقد أقرَّ عقد الزواج يعقده ولي المرأة أمام شهود وفيه مهر، وألغى الزواج الشغار، وأقر أصل الطلاق وحدَّد مراته بالثلاث، والعِدَّة وحدَّد وقتها، وأبطل الربا والرشوة وغيرهما.

وإذا فعل رسول الله ذلك وقد أمر القرآن بطاعته فتكون حجيَّة العُرْف راجحة إلى القرآن الآمر بطاعته.

وذلك تبعه أصحابه رضوان الله عليهم من بعده لما فتحوا البلدان الكثيرة ووجدوا فيها أعرافاً تُغاير ما عندهم.

أما المصلحة وهي الحكم على الفعل بالرَّاجح مما يتـرتَّب عليه من منافعَ ومَضَارّ إباحةً ومنعاً. فيدلُّ عليه مِسْلَكُ القرآن في التشريع فإنه لا يأمر بفعل إلا ونفعُهُ غالب، ولا ينهَى عن فعلٍ إلا وضرَرُه غالب. تشير لذلك التعليلاتُ الواردة في آياته، بل قد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ]يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما[ [البقرة: 219].

 

مصدر الاستثناء:

ومع وفاء هذه المصادر باستنباط أحكام الله لكل ما جَدَّ من الحوادث فهناك مصدران آخران ليسا من المصادر الأصلية، ولكنهما مصدران للاستثناءات التي يُحتاج إليها عند التطبيق لتساير الواقع، فهما نافذتان يُطِلُّ منهما الفقيه على واقع الناس ليدفع الحرج المنفي عنهم بكتـاب الله ]وما جعل عليكم في الدين من حرج[ [الحج: 78].

هذان المصدران هما: (7) الاستحسان، و(8) سد الذرائع، فالاستحسان هو استثناء جزئية من جزئيات الدليل العام، وإفرادها بحكم يخالف حكم نظائرها بدليل يدل على ذلك. وسد الذرائع هو منع الأمر المباح إذا أدى إلى مَفْسَدَة، أو قُصِدَ بفعله التوصُّل إلى أمر غير مشروع، وكلٌ منهما يعمل في دائرة خاصة به.

وذلك أن التشريع بالنسبة إلى الأفعال يتنوَّع إلى أمر ونهي، افعلوا، ولا تفعلوا؛ افعلوا لما يتـرتَّبُ عليه نَفْعٌ غالب، ولا تفعلوا لما يتـرتَّب عليه ضررٌ غالب. فإذا كان الفعلُ المأمورُ به أو المباحُ يتـرتَّبُ عليه مَفْسَدَة ظَهَرَ سَدُّ الذرائع. وأمثلته كثيرة في القرآن والسنّة، ومنها قوله لأم المؤمنين عائشة: ((  لولا أن قومك حديثو عهدٍ بشِرْك لبنيت البيت على قواعد إبراهيم  )) [رواه البخاري ومسلم]. وقوله: ((  لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة  )) [رواه أبو داوود]. ولما خفَّتْ أزواد القوم في إحدى الغزوات استأذنوا رسول الله r في نَحْرِ إبِلهم فأذِنَ لهم، فقال له عمر: يا رسول الله ! ما بقاؤهم بعد إبلهم ؟ فاستجاب له الرسول ومنع من ذلك المباح [رواه البخاري].

ولقد أتَمَّ عثمان t الصلاةَ في السفر مع مشروعية القَصْر وفِعْلِ رسول الله وصاحبيه مِنْ بعده له. فَعَلَ ذلك لما قال له أعرابيٌّ بمسجد الخَيْفِ بمِنَى: يا أمير المؤمنين ما زلتُ أصلِّيها ركعتَيْن منذ رأيتك عامَ الأول تصلِّيها ركعتين ولما قيل له: ((  كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله وصاحباه من بعده  ))، قال: ((  ولكني إمام فيراني مثل هذا الأعرابي أصليها ركعتين فيقول: هكذا فُرضت  )) [كنز العمال: 4/239].

وإذا كان الفعل محرَّماً ويتـرتَّبُ على مَنْعِهِ إيقاعُ الناس في الحَرَج، أو يتـرتَّب على المنع مَفْسَدَةٌ أكبَرُ من مَفْسَدَتِهِ أُبيحَ، وأمثلته كثيرة منها أن الرسول r لما قال بعد فتح مكة: ((  إن الله قد حرَّم مكّة من يوم أن خلق الله الأرض، وإنها لم تحل لأحدٍ قبلي، وإنما أُحلَّت لي ساعة من نهار يوم القيامة لا يعضد شوكها ولا ينفَّر صيدها ولا تحلُّ لقطتها إلا لمنشد  )) فقام العباس فقال: إلا الإذْخِر [وهو شجر معروف] فإنه لبيوتنا وقبورنا. فَسَكَتَ ساعةً ثم قال: ((  إلا الإذخر  )) [رواه أبو داوود عن أبي هريرة].

وكذلك فعل في حرم المدينة، فلما قالوا: إنّا أصحاب نضح، وإنّا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخَّص لنا فقال: ((  القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد منها شيء  )) قال خارجه: المسند مرود البكرة [رواه الإمام أحمد في مسنده].

ونهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخَّص في السَلَم لما دخل المدينة ووجدهم يُسْلِفون السنة والسنتين فقال: ((  من أسلف فليُسْلِفْ في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم  )). ونهى رسول الله r عن بيع شرط. وأفتى محمد بن الحسن بجواز البيع مع الشرط الـمُتَعَارَف.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى